الشيخ الطبرسي

291

تفسير مجمع البيان

ثم أقسم الله عز اسمه فقال : ( لقد استكبروا ) بهذا القول ( في أنفسهم ) أي : طلبوا الكبر والتجبر بغير حق ( وعتوا ) بذلك أي : طغوا وعاندوا ( عتوا كبيرا ) أي : طغيانا وعنادا عظيما ، وتمردوا في رد أمر الله تعالى غاية التمرد . ثم أعلم سبحانه أن الوقت الذي يرون فيه الملائكة ، هو يوم القيامة . وأن الله تعالى قد حرمهم البشرى في ذلك اليوم فقال : ( يوم يرون الملائكة ) يعني يوم القيامة ( بشرى يومئذ للمجرمين ) أي : لا بشارة لهم بالجنة والثواب . قال الزجاج . والمجرمون الذين أجرموا الذنوب وهم في هذا الموضع الذين اجترموا الكفر بالله ، عز وجل . ( ويقولون حجرا محجورا ) أي : ويقول الملائكة لهم حراما محرما عليكم سماع البشرى ، عن قتادة والضحاك . وقيل : معناه ويقول المجرمون للملائكة كما كانوا يقولون في الدنيا إذا لقوا من يخافون منه القتل حجرا محجورا دماؤنا ، عن مجاهد وابن جريج . قال الخليل : كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في الأشهر الحرم ، فيقول : حجرا أي حرام عليك حرمتي في هذا الشهر ، فلا يبدأه بشر فإذا كان يوم القيامة رأوا الملائكة ، فقالوا ذلك ، ظنا منهم أنه ينفعهم . وقيل : معناه يقول الملائكة حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال لا إله إلا الله ، عن عطا ، عن ابن عباس . وقيل : يقولون حجرا محجورا عليكم أن تتعوذوا فلا معاذ لكم ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ) أي : قصدنا وعمدنا ، كما في قول الشاعر : وقدم الخوارج الضلال * إلى عباد ربهم فقالوا : إن دماءكم لنا حلال وفي هذا بلاغة عجيبة لأن التقدير : قصدنا إليه قصد القادم على ما يكرهه مما لم يكن رآه قبل ، فيغيره . وأراد به العمل الذي عمله الكفار في الدنيا ، مما رجوا به النفع والأجر ، وطلبوا به الثواب والبر ، نحو إنصافهم لمن يعاملهم ، ونصرهم للمظلوم ، وإعتاقهم وصدقاتهم ، وما كانوا يتقربون به إلى الأصنام . ( فجعلناه هباء منثورا ) وهو الغبار يدخل الكوة من شعاع الشمس ، عن الحسن ومجاهد وعكرمة . وقيل : هو رهج الدواب ( 1 ) ، عن ابن زيد . وقيل : هو ما تسفيه الرياح ، وتذريه من التراب ، عن قتادة وسعيد بن جبير . وقيل : هو الماء المهراق ، عن ابن عباس ، والمنثور المتفرق ، وهذا مثل . والمعنى تذهب أعمالهم باطلا ، فلم ينتفعوا بها من .

--> ( 1 ) الرهج : ما أثير من الغبار